الشريف الرضي
423
المجازات النبوية
وقال المفسرون في قوله تعالى وهو يريد نار الدنيا : " نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين " قالوا تذكرة يستذكر بها الناس نار الآخرة ، فيكون ذلك أزجر لهم عن المعاصي ، وأصرف عن المضال والمغاوي ، لان نار الدنيا إذا كانت على ما هي عليه من قوة الاحراق وشدة الارماض ( 1 ) والاقلاق ( 2 ) ، وهي مع ذلك دون نار الآخرة في الطبقة ، وجزء من أجزائها في الايلام والنكاية ، فما ظننا بتلك النار إذا باشرت الأجسام ، وخالطت اللحوم والعظام ، نعوذ بالله منها ، ونسأله التوفيق لما باعد عنها . وقيل في المقوين قولان . أحدهما : أن يكونوا المرملين من الزاد ، والفاقدين للطعام ، يقال : أقوى فلان من زاده إذا لم يبق عنده شئ منه ، وذلك مأخوذ من الأرض القواء التي لا شئ فيها ، فكأنه صار كهذه الأرض في الخلو من البلغ التي يتبلغ بها ، والمسك التي يترمقها ( 3 ) ، والقول الآخر أن يكون المقوون هاهنا السائرين في القوى ، وهي الأرض التي قدمنا ذكرها ، والنار للمسافر أرفق ( 4 ) منها للحاضر .
--> ( 1 ) الارماض : الايقاع في الحرارة ، أي شدة إشعار الشخص بالحرارة . ( 2 ) الاقلاق : الازعاج . ( 3 ) يقال ترمق اللبن : إذا شربه قليلا قليلا ، والمسك جمع مسكة وهي ما يمسك الرمق الذي هو بقية الحياة . والمعنى أن المقوى الذي لا يجد إلا القليل من الطعام والزاد ، يترمقه : أي يأخذه قليلا قليلا كلما وجده . ( 4 ) الرفق بكسر الراء وسكون الفاء : ما استعين به ، ومعنى أرفق للمسافر أي أكثر عونا له . ما في الحديث من البلاغة : في الحديث تشبيه بليغ ، حيث شبه الحمى فيما تجلبه من الحرارة بكير من جهنم ينفخ حرها ، مبالغة في شدة حرارة الحمى ، وحذف وجه الشبه والأداة .